
| العنوان: موسوعة سيرة أهل البيت (عليهم السلام ) | المؤلف : العلامةالشيخ باقر شريف القرشي | عدد المجلدات :(أربعون) مجلداً |
|
كلمة المؤلف
1قدم
العظماء و المصلحون لشعوبهم وأوطانهم خدمات جبارة في ميادين الاصلاح
الاجتماعي , فأشاعوا العلم , وأسسوا المراكز الثقافية و الصحية , و
حرروا أوطانهم من الخرافات و
الأضاليل , وفتحوا لها آفاقا مشرقة من الوعي والتطور , وألحقوها بقافلة
الحضارة الإنسانية , كما أن لبعض المصلحين الفضل في تحرير أوطانهم من
الاحتلال و الاستعمار , وإقامة أعلام الحرية فيها .
وقد اعترفت شعوبهم بالفضل
الذي أسدوه عليها , فقدمت لهم جميع ألوان التكريم و التعظيم لهم , فنصت لهم
التماثيل التي تحكيهم في الأمكنة العامة , وطبعت صورهم في الأوراق النقدية
, وألفت الكتب التي تحكي سيرتهم و خدماتهم ومآثرهم و آثارهم, وما أسدوه على
أمتهم من الألطاف , كما تقيم لهم المهرجانات الشعبية في أيام ولادتهم
ووفاتهم و مواقفهم الخالدة , و ذلك اعترافا من الشعوب بفضلهم , و تخليدا
لخدماتهم .
2 و من هو أولى بالتكريم , أحق
بالتعظيم , من سيد الكائنات و خاتم الأنبياء الذي قدم للإنسانية أهم
الخدمات و فأقام معالم الحضارة , وأسس حقوق الإنسان ,
وحرر العقول من عبادة الأوثان
والأصنام , ودمر معالم الجاهلية الرعناء التي أباحت كل مآثم الحياة التي
كان منها وأد البنات , وشاع في ذلك قولهم : ( دفن البنات من المكرمات ) ,
وغزوا القرى , ونهبهم لأموال الفقراء و مصادرة عيشهم , وسيادة الجهل و
الأمية , فحرم الرسول الأعظم (صلى الله عليه و أله و سلم) جميع ذلك , وأقام
معالم الحضارة و التطور و الحياة الكريمة التي ينعم بها الإنسان , وكان من
معالمها الدعوة الجادة للتسلح بالعلم , فقد جعل طلبه فريضة على كل مسلم و
مسلمة , وجعل خير الناس من نفع الناس , ودعا الى تطوير الحياة بجميع
جوانبها الاقتصادية الاجتماعية , والتحرير الكامل من البؤس والفقر , وتأسيس
المشاريع العامة التي يجد الإنسان في ظلا لها الأمن من البطالة و الفقر ,
فما أعظم عائدة النبي (صلى الله عليه و أله و سلم)
على البشر جمعاء .
3
تحدّث القران الكريم عن عظيم حب النبي (صلى الله عليه و أله و سلم) لأمته ,
وحرصه البالغ على سعادتها , وضمان مستقبلها
, قال تعالى ( لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتنم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )
هذا الرسول العظيم الحريص على أمته الذي يعز عليه عنتها , كيف يتركها بعد
وفاته تتقاذفها أمواج الفتن , و تتردى في مجاهل هذه الحياة , ولا يضع لها
المنهج السليم الذي يقيها من الزيغ و الانحراف , بل والله لقد وضع لها
الرصيد الكامل لسلامتها ,وهو كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه , وعترته الطيبين عدلاء الذكر الحكيم , قال صلوات الله
عليه ( خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي , ما أن تمسكتم بهما
لن تضلوا بعدي أبدا ) .
ومن المؤسف أن بعض رموز
السياسة من الصحابة رد عليه بقوله ( حسبنا كتاب الله ) , ومعناه يكفينا
كتاب الله تعالى , لا حاجة لنا في عترتك .
وبعد انتقال النبي(صلى الله
عليه و أله و سلم) الى حظيرة القدس رفع بعض الصحابة شعارهم ( أبت قريش أن
تجتمع النبوة و الخلافة في بيت واحد ) . وأجمع الحزب القرشي بقيادة أقطابه
على إقصاء أهل البيت عن المسرح السياسي , ومعاملتهم معاملة عادية أتسمت
بالحقد و الكراهية , وقد واجهت الأمة في جراء ذلك اعنف المشاكل , وأقسى
ألوان المحن و الخطوب , فقد عصفت بها الفتن و الأهواء وتفرقت الى شيع
وأحزاب , و تحكم في مصيرها اللصوص و الخونة من الأمويين و العباسيين , وكان
ذلك ناجما من دون شك من أحداث السقيفة و مؤتمر الشورى , وهو واضح كل الوضوح
و الظهور لمن يقرأ الوثائق التاريخية في تلك الفترة من الزمن الحافلة
بالأحداث الجسام التي كانت خاضعة للأهواء و حبّ الملك و السلطان , ولم يقرر
فيها أي مصلحة للأمة عبر أجيالها الصاعدة .
4 أما أوصياء النبي (صلى الله
عليه و أله و سلم) فهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مصابيح الإسلام ,
وخزنة العلم وأهل التوحيد , قد منحهم تعالى الحكمة وفصل الخطاب , وطهرهم من
الرجس تطهيرا , وفرض مودتهم على عباده , وقد وهبوا حياتهم لله تعالى ,
وأخلصوا في طاعته أعظم ما يكون الإخلاص , وتبنوا بصورة ايجابية حقوق
المظلومين و المعذبين , وكانوا الجبهة المعارضة لسياسة ملوك الأمويين و
العباسيين الذين جهدوا على ظلم الناس , وإرغامهم على ما يكرهون , وأنفقوا
موارد الأمة وخيرات البلاد على شهواتهم ولياليهم الحمراء , وعلى العابثين و
الماجنين الذين يفسدون الأخلاق , ولا يرجون لله وقارا , ولم تكن هناك جبهة
معارضة تطلب بالإصلاح الاجتماعي سوى أئمة أهل البيت (عليه السلام) الذين
تعرضوا لسخط أولائك الجبابرة , فصبوا عليهم وعلى شيعتهم أقسى ألوان المحن و
الخطوب .
5
كنت في شرخ الشباب لا أتجاوز
العشرين عاما , وكان لي ولع شديد في التأليف , فشرعت بتأليف حياة الامام
الزكي ريحانة رسول الله (صلى الله عليه و أله و سلم) الامام الحسن بن علي
(عليه السلام) , وقد جهدت جهدا شاقا وعسيرا , وذلك لعدم توفر مصادر البحث ,
فلم تكن في النجف سوى مكتبتين عامتين , فكنت أوزع الوقت بينهما , كما كنت
أسافر الى بغداد للاطلاع على بعض المصادر , وبعون من الله تعالى تم تأليف
الكتاب في جزئيين , وقد طبع غير مرة , ونال الرضا في نفوس القراء , ثم
واصلت المسيرة في التأليف عن بقية أئمة الهدى (عليه السلام) , وقد وجدت في
سيرة كل أمام منهم هالة من الشرف و النور ما يبهر العقول , وهم ليسوا ملكا
لطائفة دون أخرى , وأنماهم ملك للناس جميعا كالشمس الذي ليست ملكا لصنف دون
صنف , وإنما هي ملك لجميع الناس, وبعد الفراغ منهم شرعت في التأليف عن جدهم
سيد الكائنات الرسول الأعظم (صلى الله عليه و أله و سلم) , وقد تم -والحد
لله- وقد بلغت الموسوعة ما يزيد على أربعين جزءا و أنا قد أخذت بعنق
الثمانين عاما , جعل الله تعالى ذلك لنا ذخرا يوم نلقاه .
6 و نجحت هذه الموسوعة , و
تلقاها القراء بالرضا , وقد أعيد طبع معظم أجزائها , خصوصا حياة الامام
الحسين بن علي (عليه السلام) , فقد طبع في بيروت وإيران و العراق بكثرة
قراؤه , وكان من نجاح هذه الموسوعة أن ترجمها الفاضل الحاج محمد تقي
أنصاريان الى اللغة الانجليزية , وقال إنها لاقت نجاحا كبيرا في الغرب , و
تلقى رسائل شكر من المتعطشين لمعرفة أهل البيت (عليه السلام) , والذين لا
يحسنون اللغة العربية و لا الفارسية , كما ترجمت معظم أجزائها الى اللغة
الفارسية , وكان ذلك ببركة أئمة الحق (عليه السلام) و تسديدهم .
7وندرت
هذه الموسوعة في الأسواق و كثر الطلب عليها , وقد أنبرى معالي وزير الإرشاد
الإسلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الى إعادة طبعها بشكل جميل ,
فسعي جميل , وكان ذلك بسعي كل من سماحة آية الله العلامة المحقق جعفر
سبحاني و من الخطيب المفوه الفاضل العلامة الشيخ حسين أنصاريان وسماحة حجة
الاسلام و المسلمين الشيخ المعراجي كما إني أشيد بإجلال وتعظيم الى سماحة
المغفور له حجة الاسلام و المسلمين أخي العلامة الشيخ هادي شريف القرشي على
ما أبداه من جهد معي في تأليف معظم الموسوعة سائلا المولى القدير أن يجزل
له المزيد من الرحمة و الغفران كما اكرّر شكري الى فضيلة العلامة ولدي
الشيخ مهدي , فقد بذل جهدا شاقا في مراجعة الموسوعة وملاحظة مصادر البحث
فيها , وفق الله تعالى الجميع لما فيه الخير, إنه تعالى ولي ذلك والقادر
عليه .
مكتبة الامام الحسن العامة
في النجف الاشرف
باقر شريف القرشي
10/ رمضان المبارك / 1428
|